أبي طالب المكي
106
علم القلوب
أهل الإحسان والوفاء ، والتوحيد لمن قد فني تحت هيبة اطلاع الموحد من أرباب المشاهدة والحومة والحياء . وقال الشبلي : لا يخلوا الخلق من تعبين ، تعب طرب ، وتعب نصب بحلم ، فتعب الطرب للموحدين ، وتعب النصب للمخلصين « 1 » ، فالموحد لا يزال في شغل من ربه كلما « 2 » نقله من مقام ، أطلعه على مقام هو أعلى منه ؛ ليكون أبدا في تعب طرب ، لا تعب نصب ، كان المصطفى صلى اللّه عليه وسلم كلما نقله الحق إلى درجة ، فهو أعلى مما كان فيه ، استغفر فيه ، فقال : « إنه ليغان على قلبي ، فإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » . وقال الجنيد : للموحد وقتان لا ثالث لهما : سكر ، وصحو ، فالسكر ملاحظة الحق على دوام الوقت ، والصحو الغناء عن الحق بالحق . وقال ابن مطرق : الموحد يستوحش من الوجد والسماع ويكون فانيا أبدا . وقيل لأبى يزيد البسطامي : إنك لا تخالطنا ، ولا تجلس معنا ، فقال : ما لي معكم عيش ، ولا لكم في عيش ، كيف أعيش معكم وأنت تقولون : انطق ؟ وأنا أقول : اسكت ، وأنتم تقولون : أبصر ، وأنا أقول : عم ، وأنتم تقولون : اقعد ، وأنا أقول : قم ، وأنتم تقولون : اذهب ، وأنا أقول : ارجع ، وأنتم تقولون : خذ ، وأنا أقول : ادفع ، وأنتم تقولون : ما لك لا تضحك ؟ وأنا أقول : ما لك لا تبكى ؟ وأنتم تقولون : نداو تعش ، وأنا أقول : دار وكن تابميرى « 3 » ، وأنتم تقولون : اطلب ، وأنا أقول : اهرب ، فلكم
--> ( 1 ) تعب الطرب هو : ما يصحب التعب في العبودية من لذة المشاهدة لتجليات الأسماء والصفات الإلهية في المملكة الربانية ، فينسى المشاهد كل متاعبه ، وتعب النصب هو : تعب العبودية مع تعب المجاهدة للأهواء ، والخواطر النفسية ، والمعنى الذي ذكره المؤلف وجه آخر من المعنى . ( 2 ) في الأصل : كما . ( 3 ) عبارة فارسية معناه : عالج نفسك لتموت ، والمراد أنه يجب على طالب الحق أن يأخذ نفسه بالرياضة ، والعلاج ؛ لتموت نزواتها ، ونزعاتها الشيطانية ، حتى تصفو له المعرفة ، وقد انتزع بعض العلماء هذا المعنى من قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الأحزاب : 43 ] ، قالوا : إن الصلاة على الإنسان لا تجوز إلا بعد موته ، ولا تحجير على الفضل الإلهى أن تكون صلاته سبحانه على المؤمنين بعد الموت بمعنى مقارنة الروح للجسد ، وللجمع بين شرط الموت لصلاة اللّه والملائكة على العباد ، وبين عدم التحجير على فضل اللّه ، قالوا : إن الصلاة من اللّه والملائكة على العباد ، لا تجوز إلا بعد موت النفس ، ومفارقة نزواتها وشهواتها ؛ لأن النفس في هذه الحالة تكون مستعدة لتلقى الرحمات الإلهية ، والفيض العرفاني ، ولتناسب ذبذباتها مع ذبذبات عالم الروح ، لذا ورد في الأثر : « موتوا قبل أن تموتوا » ، وما أحكام الشريعة إلا وسائل تصل بالعبد إلى تلك الحال .